الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية لهذه الأسباب ساندت النهضة الأيمّة المتشدّدين!

نشر في  28 أكتوبر 2015  (11:18)

في وقت تبذل فيه وزارة الشؤون الدينية جهودا حازمة من أجل تجفيف منابع الفكر التكفيري الذي تصاعدت وتيرته خلال السنوات الأربع الأخيرة وخصوصا خلال فترة حكم الترويكا، كما أنها (أي الوزارة) تسعى إلى مضاعفة الجهود نحو تطبيق قرار تحييد المساجد وعزل الأئمة المتطرفين للحدّ من نزيف ارتفاع الأصوات «المتاجرة» بأرواح شبابنا التونسي عبر حثهم إلى معانقة الفكر المتشدد، تدفع أطراف أخرى إلى الإطاحة بقرارات وزير الشؤون الدينية عثمان بطيخ و»إلغائها» أو «تجميدها» دفاعا عن «أصواتها» التي تصدح في المنابر بلسان حالها ..
ولا يخفى على أحد أنّ حركة النهضة الاسلامية من بين هذه الأطراف المنددة والمستنكرة بشدة قرارات عثمان بطيخ، حيث اعتبر البعض من قياداتها أنها قرارات تصب في خانة تصفية حسابات سياسية، ومواصلة لسياسة النظام السابق.. في حين عبّرت الحركة  في بيان رسمي سابق لها رفضها لـ «سياسة الانتقام والطرد العشوائي التي ينتهجها وزير الشؤون الدينية ضدّ عشرات الأئمة، لافتة إلى أن هذه السياسة إذا تواصلت ستتحوّل الى أداة استقطاب رئيسية للإرهاب ومغذياً لآلة الدعاية الإرهابية التي تعتمد على إقناع الشباب أنهم في مواجهة دولة معادية للإسلام والدين..
كما ذهبت «النهضة» إلى حد اعتبار هذه السياسة «موروثة عن الديكتاتورية في توتير الأجواء في أماكن العبادة وزرع العداوة بين المواطنين» وفق نص بيانها..
في نفس السياق يذكر أن نائب رئيس حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي أكد في تصريحات اعلامية أن ما يحصل هو تماد في سياسة التطهير ضد أيمة عرفوا بالاعتدال، فقط لمواقفهم السياسية التي لا يفصحون عنها أو يروجون لها حين يعتلون المنابر مما يجعل هذه الاجراءات تدفع في اتجاه معاكس لمعركة الشعب التونسي في محاربة الارهاب، على حدّ تعبيره.
وفي حين اتهم الحبيب اللوز أحد أبرز «القيادات التاريخية» للنهضة، حكومة الصيد بضرب النهضة وكل من له منزع إسلامي واستغلال العمليات الإرهابية لغلق المساجد وعزل الأئمة لشن حملة على كل مسؤول يعرف بشبهة قربه من الحركة، ذهب نور الدين البحيري إلى إعلان خشيته من أن تتحول عملية عزل الائمة إلى حملة لتجييش المتطرفين، مؤكدا أن الإرهاب قد يقوم بتوظيف حملة عزل الأئمة لغايات تهدف إلى زعزعة الاستقرار في البلاد، خاصة أن تونس في حاجة إلى هدنة اجتماعية خلال هذه المرحلة، وفق تعبيره.
هذا وفي وقت عكست فيه تصريحات قيادات النهضة سعيها إلى الإطاحة بعثمان بطيخ وقراراته خاصة بعد أن تم إغلاق عدد كبير من المساجد الخارجة عن السيطرة واسترجاع عدد أخر منها استولى عليه المتشددون، ساد اعتقاد أنّ حركة النهضة من خلال إعلانها الصريح عن رفضها لسياسات عزل الأئمة -رغم أن الوزارة بيّنت بالكاشف وبالحجة والبرهان أنّهم أئمة يسعون الى بث الفتنة والافكار المتطرفة- تسعى إلى التمسك ببقاء رموزها في الفضاء المسجدي والدفاع الشرس عنهم حتى تضمن بهم «الانتصار» في الإنتخابات البلدية القادمة عبر اسغلالهم كبوق دعائي وخزان انتخابي لها..
من جهة أخرى يرى محللون أنّ دفاع النهضة المستميت عن بعض الأئمة التي قررت وزارة الشؤون الدينية عزلهم على غرار نور الدين الخادمي والبشير بن حسن ورضا الجوادي سيفتح الباب لأزمة سياسية كبرى ستحتضن صراعا بين المدافعين عن مواقف النهضة ومعارضين عديدين لطالما شككوا في «تحوّل» هذه الحركة من حركة إسلامية دينية منضوية تحت لواء حركة الاخوان المسلمين إلى حركة حداثية تؤمن بمدنية الدولة وتسعى إلى تطبيقها الفعلي في الوسط السياسي باعتبارها شريكا أساسيا في الحكم..
وفي هذا الإطار ارتأت أخبار الجمهورية تسليط الضوء على «خفايا» موقف حركة النهضة من قرار عزل الائمة ومساندتها لهم فاتصلت ببعض المحللين والملاحظين في الورقة التالية:

نائلة السليني: النهضة تدافع عن «عرينها».. وعثمان بطيخ يحارب أهل النفاق..

في البداية خصّتنا أستاذة الحضارة الإسلامية نائلة السليني بتصريح حول هذا الموضوع قالت فيه: «في الحقيقة إنّ حركة النهضة لا تساند وإنّما ذاك هو برنامجها منذ أن خلقت على أرض الوطن. فالديني يعتبر عمودا فقريا به تستقيم سياستها، وبه تلج العقول الطيبة في بساطتها. ونتذكّر أنّها منذ عودة زعيمها الغنوشي صرّحت عن عزمها باحتكار كلمة الله تعالى والتكلّم نيابة عنه. وأقصت في نفس الوقت كلّ من يحاول أن يقترب من مجال المساجد والخطاب الديني، بدعوى أنّ سياسة بن علي قامت على تجفيف المنابع إلى غير ذلك من الترّهات التي لا تقنع ذوي العقول النيّرة».
وتابعت: «لا يفوتنا أيضا التنبيه إلى أنّها ـ النهضة ـ حزب لعب على الوجدان الديني بعيد الثورة، وحتى قبل انتخابات التأسيسي فافتكّت المساجد والزوايا؛ بل لا يفوتنا أيضا التذكير بأنّها لعبت على الوازع الديني والقسم على المصحف بأنّ من سيصوّت فسيختار حرّاس الله في الأرض. منذ ذلك التاريخ والنهضة تشتغل على الفضاء المقدّس واعتبرته خصوصية نهضوية، وإن جاز لها أن تتنازل فلحساب المتطرّفين في اعتلاء المنابر.
ومن هنا شاهدنا نكاح المتعة بين المتأسلمين والمتطرّفين.. كيف لا والنهضويون أنفسهم يتبجّحون أنّهم الصقور، وكم تغنّت محرزية العبيدي بأنّها أمّهم وأختهم. وتبيّن جليّا أن ما يساق لنا من أصناف للإسلام بهذا التصوّر إنّما هو بدعة أريد بها باطلا: فلا وجود مع النهضة لإسلام معتدل ولا إسلام متطرّفا لأنّ المتطرّفين يحتمون بجبّة الشيخ المتأسلم، والدليل على ذلك ما يريدون تأسيسه ممّا أسموه باطلا وبهتانا « بقانون التوبة»، وهو في الحقيقة بدعة تتنزّل في منزلة الفسق لا هي من الجنّة ولا هي من النار، بل هي مظلّة ابتدعوها لحماية من كانوا هم سببا في ضلالهم والرمي بهم في أتون الجهالة والظلام».
وفي سياق متصّل واصلت محدّثتنا تصريحا قائلة: «لهذا نبّهت منذ 2012 إلى أنّ الخادمي متطرّف وهو يحتلّ في نفس الوقت رتبة قيادية في حركة الإخوان المتأسلمين. وما شَبَهُ البشير بن حسن سوى طحالب نبتت في أرض عملت النهضة على تجفيفها ليسهل فيها حرقها وتغريبها عن حضارتنا. فالنهضة تدافع عن عرينها وهي الأعلم أنّها إن خسرت فضاء العبادة فستصير مثلها مثل غيرها من الأحزاب الأخرى التي تتدافع فيما بينها لكسب مُوالٍ أو نصيرٍ.
وهي الأعلم أيضا أنّ خطاب العقول هو الأعسر لأنّ السامع يتفكّر ويقارن ويحاسب. عشنا طيلة أربع سنوات نموذجا لافتكاك المساجد، ومنافسة الله تعالى في الكلمة وتحويل جهة النصّ القرآني عن مقاصده، كلّ ذلك كان بتعلّة أنّهم يمثّلون مرجعية في فهم الدين..»
واستدركت «لكن شتّان بين المعرفة الحقيقية للدين والتجارة بالله .. فالكثير من هؤلاء يخطئون حتى في تلاوة آية في خطب الجمعة التي يلقونها، وهم في جميع ما نقول يسعون إلى ابتزاز الناس في ما تبقّى بجيوبهم، ولكم في ما ينشر ويقال في شأن جامع سيدي اللخمي وما يُتناقل عن الجوادي خير مثال.
 وختمت الاستاذة السليني قائلة: «إن كان لنا أن نحفظ من خير لتونس قدّمته هذه الحكومة فهو في مقاومتها لفساد يوظّف الدين سلاحا ويأخذ الله رهينة. وإن كان لنا أن نخلّد حدثا لوزير الشؤون الدينية فهو في محاربته لفساد أضرّ بالإسلام وجعل منه درعا يحمي سياسة المتأسلمين. فيكفيه فخرا أنّه حارب أهل النفاق، ويكفيه فخرا أنّه يحاول أن يهدم هذا الحصن الذي شيّدته النهضة واحتمت به مدّعية أنّها شعب الله المختار»..

لطفي العماري: قواعد النهضة تستعد لسحب البساط من زعيمها راشد الغنوشي

من جهته اعتبر الإعلامي والمحلل السياسي لطفي العماري أنّ أزمة الأئمة المعزولين جاءت لتؤكد أنّ حركة النهضة ترفض أن تتحوّل إلى حزب مدني عاجز عن إجراء مراجعات عميقة داخله وهو ما يؤكّد كذلك أنّ أصوات الصقور من قيادتها لا تزال هي الأقوى، قائلا إنّ هذا مفهوم بالنظر الى رغبتها في استمالة قواعدها استعدادا للمؤتمر القادم وتحسّبا للصعود المتواصل لحمادي الجبالي في عملية سبر الاراء أمام التراجع المتواصل للشيخ راشد الغنوشي الذي رجّح العماري أنّ قواعد النهضة بصدد معاقبته بسبب ما رأته من مواقفه الأخيرة من تنازلات فيها مسّ كبير للمرجعيات الكبرى للحركة وفق تعبيره.
في المقابل شدّد محدّثنا على اعتبار انّ الازمة الحادة التي تعيشها حركة نداء تونس قد شجّعت صقور النهضة على إعادة طرح الخلاف من أجل الهوية للعودة بنا إلى صراع مزيّف ومغلوط بين الاسلاميين والعلمانيين وهو ما يعتبر استنزافا آخر لقوى وطاقة التونسيين يمنعهم من الإنطلاق في معالجة القضايا التي قامت من أجلها الثورة..
وفي سياق متصّل أشار العماري إلى أنّ صراع الهوية هو في الحقيقة انعكاس لواجهة صراع أقوى بين وزير شؤون دينية متمسك بالإسلام التونسي وأئمة متشددين متمسكين بالإسلام الوهابي، وتابع قوله: «في كلّ هذا تبدو النهضة حريصة على أن تعزل الوزير عثمان بطيخ مسبّقة بذلك مصلحتها كحزب على حكومة الصيد وبالتالي على مصلحة تونس ككل..»
وختم الإعلامي العماري مداخلته قائلا: «إنّ حركة النهضة ما زالت لم تستوعب الدرس بعد ولا تزال تستعمل الخطاب المزدوج مُخفية حقيقة مشروعها اللاهوتي، وعليها أن تسعى إلى أن تشبه تونس لا أن تجعل تونس تشبهها.. هذا هو الحلّ الوحيد ليقبل بها التونسيون كطرف أساسي في رسم ملامح المشهد السياسي».

عبد الستار المسعودي: النهضة بينت بالكاشف أنها حزب غير مدني

بدوره اعتبر المحامي والقيادي في حركة نداء تونس عبد الستار المسعودي أنّ حركة النهضة لطالما اعتبرت المساجد الحاضنة الأساسية التي تستعملها لاستقطاب عدد كبير من أنصارها الذين يمثّلون خزانها الانتخابي، مشيرا إلى أنّ خير دليل على ذلك هو مساندتها للإمام المعزول رضا الجوادي الذي كان على رأس جامع سيدي اللخمي بصفاقس والذي يعتبر من أكبر الجوامع في تونس ويعتبر قاطبة لجلب عدد كبير من المصلين..
في سياق متصّل أكد المسعودي أنّه تبيّن بالكاشف بأنّ حركة النهضة بعيدة كل البعد عن الشعارات التي ترفعها بكونها حزبا مدنيا وحداثيا، قائلا إنّها حركة تسعى فقط إلى تجسيد مبدأ الطاعة والإذعان والولاء للجماعة وآخر شيء تفكر فيه هو المدنية والمواطنة وفق تعبيره..
صالح الزغيدي: الحنين عاد بالنهضة إلى مشروعها الدعوي الذي أتت من أجله أمّا المحلل السياسي ومؤسس جمعية اللائكية صالح الزغيدي فقد أعرب عن عدم استغرابه لاستنكار حركة النهضة قرارات وزارة الشؤون الدينية المتعلقة بعزل عدد من الأيمة المحسوبين على التيار الفكر المتشدد والتكفيري، وقال إن القضية ليست حول التساؤل عن الأسباب التي تدفع بالنهضة لمساندة مجموعة من الأئمة قررت الوزارة إيقافهم عن العمل أو طردهم تعسفيا بعد أن كانوا أجراء عندها بقدر ماهي قضية أخرى جوهرية لم يقع الحسم فيها إلى اليوم وتتمثل في فهم العلاقة الحقيقية بين السياسة ودور العبادة اليوم في تونس..
وأضاف مشدّدا على أن حركة النهضة عاد بها الحنين للدعوة بالمشروع الذي أتت به منذ البداية وهو عدم الفصل بين السياسة والدين أو الدولة والسياسة وهو الذي بيّنته أيام النقاش على الدستور حيث حاولت وقتها إدراج الشريعة الإسلامية في أحد فصوله..
من ناحية أخرى، أكّد الزغيدي أنّه لا سبيل اليوم لتخصيص مكان للسياسة داخل المسجد لأنه مخصص فقط للعبادة والتقرب من الله وليس للعمل الحزبي أو السياسي حتى وإن كان تقدميا أو حداثيا، مشيرا إلى أن النهضة باعتبارها امتدادا لتنظيم الاخوان المسلمين تعتبر أنّ الجامع هو المدافع الأول عن مواقفها بل تعتبره هو الحل لبسط النفوذ والبقاء في الساحة السياسية..
من جانب آخر جدّد المحلل السياسي تأكيده وجوب الفصل بين الدين والسياسة حماية لمصير البلاد مضيفا أنّ الدين الإسلامي لا يمنح إمام المسجد أية سلطة أو صلاحية للتكلم باسم الدين ولا يعطيه أيضا أيّة  مسؤولية روحية ودينية..


إعداد: منارة تليجاني